السيد الطباطبائي
66
تفسير الميزان
ويستوي عليهم إنذارك وعدم إنذارك لا يؤمنون والوجه الأول أقرب إلى الفهم . قوله تعالى : " إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم " القصر للافراد ، والمراد بالانذار الانذار النافع الذي له أثر ، وبالذكر القرآن الكريم ، وباتباعه تصديقه والميل إليه إذا تليت آياته ، والتعبير بالماضي للإشارة إلى تحقق الوقوع ، والمراد بخشية الرحمن بالغيب خشيته تعالى من وراء الحجاب وقبل انكشاف الحقيقة بالموت أو البعث ، وقيل : أي حال غيبته من الناس بخلاف المنافق وهو بعيد . وقد علقت الخشية على اسم الرحمن الدال على صفة الرحمة الجالبة للرجاء للاشعار بأن خشيتهم خوف مشوب برجاء وهو الذي يقر العبد في مقام العبودية فلا يأمن ولا يقنط . وتنكير " مغفرة " و " أجر كريم " للتفخيم أي فبشره بمغفرة عظيمة من الله وأجر كريم لا يقادر قدره وهو الجنة ، والدليل على جميع ما تقدم هو السياق . والمعنى : إنما تنذر الانذار النافع الذي له أثر ، من اتبع القرآن إذا تليت عليه آياته وما إليه وخشي الرحمن خشية مشوبة بالرجاء فبشره بمغفرة عظيمة وأجر كريم لا يقادر قدره . قوله تعالى : " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " المراد بإحياء الموتى إحياؤهم للجزاء . والمراد بما قدموا الأعمال التي عملوها قبل الوفاة فقدموها على موتهم ، والمراد بآثارهم ما تركوها لما بعد موتهم من خير يعمل به كتعليم علم ينتفع به أو بناء مسجد يصلى فيه أو ميضاة يتوضأ فيها ، أو شر يعمل به كوضع سنة مبتدعة يستن بها أو بناء مفسقة يعصى الله فيها . وربما قيل : إن المراد بما قدموا النيات وبآثارهم الأعمال المترتبة المتفرعة عليها وهو بعيد من السياق . والمراد بكتابة ما قدموا وآثارهم ثبتها في صحائف أعمالهم وضبطها فيها بواسطة كتبة الأعمال من الملائكة وهذه الكتابة غير كتابة الأعمال وإحصائها في الامام المبين